حياة بتهوفن مسلسل دراما وصورة
لمأساة حقيقية.
بتهوفن ذاك الرجل الذي استطاع أن ينطق بلسان
الطبيعة، وأن يكون في موسيقاه هادئا كالماء، صافيا كالسماء، وعميقا كالبحار،
وصادحا كالطير، وخافقا كالنجم.
ولكنه كان سئ الحظ،فقد قضى حياته فقيرا معدما،
سطلب الشهرة عن طريق الفن فلا يظفر بها، حتى مات شريدا في وطن غير وطنه...
لقد قسى الدهر على بتهوفن قسوة عضمى'، فقد وضع
للعالم تلك الموسيقى السماوية العالية التي خاكى بها الطبيعة، و صور أدق عواطف
القلوب وخوالجها، فلم يحفل بها الناس كثيرا، ولم يأبهوا لها، وكانو قد ألفوا قبل
ذالك تلك الموسيقى الصناعية المتكلفة التي يتكلف الموسيقيون بتأنيقها وتدبيجها
تأنق النحات في صنع الدمية الجميلة التي لا روح فيها، وافتتن الناس بها افتتانا
عظيما فلم يستطيعو أن يفهموا غيرها...
ولم يكن مصابه بجهل الناس إياه واحتقارهم له بأقل
من مصابه بحسد حساده من أبناء حرفته، فهم الذين وقفوا في وجهه واعترضوا سبيله،
واستقبلوه حين وقفوا عليه بتلك القيتارة الجميلة بابتسامة الهزء والسخرية، وذهبوا
كل مذهب في النيل منه والغض من شأنه، ولم يزل ذالك شأنهم معه حتى نغصوا عليه حياته
وذهبوا براحة نفسه وسكونها، وملؤوا قلبه بالوساوس والأوهام فساء ظنه بنفسه، ولولا
أن صديقه"هومل" كان مرآته الصادقة التي كان يرى فيها نفسه لنفض يده من
الموسيقى' نفض اليائس القانط، ولحرمت الأمة الألمانية من هذه القيتارة التي لم
يخلق الله شبيها لها....
لم يستطع "بتهوفن" أن يصبر طويلا على
ذالك الظلم وتلك النظرات المؤلمة التي أصبح الناس ينظرونها إليه، فضل ينتقل من
مكان لآخر، وكان له في مبدإ أمره ثروة صالحة، ولكنه كان من أصحاب الملكات الشعرية،
والشعر والحزم لا يجتمعان في رأس واحدة، فلم يزل يسرفها (الثروة) حتى أضاعها،
فأصبح لا يملك أداة من أدوات الرزق سوى' قيتارته، وقيتارته سلعة كاسدة في سوق
الفنون.
فر بتهوفن إلى الغابات والأحراش والجبال وضفاف
الأنهار حيث كان يختلي بنفسه فلا يسمع صوتا فير الطبيعة، ولا يرى وجها غير وجه
الله، وكثيرا ما كان يستمر به المسير حتى يصل إلى جزر الذانوب فيهيم على ضفاف ذالك
النهر أياما طوالا لا يفترش سوى العشب. ولا يطعم إلا ما يقدفه إليه النهر من
أحيائه، حتى يعثر به صديقه "هومل" فيعود به إلى العمران.
ولم يقنع الدهر منه حتى رماه في آخر أيامه بالصمم،
فلم يأسف لهذه النكبة كثيرا بل قال:
"إني أحمد الله على ذالك فقد كفاني نصف شرور
الناس فلعله يكفيني نصفها الآخر، فلا أرى في وجوههم ولا أسمع أصواتهم".
ولقد صدق فيما قال، فقد أخد الناس يسمونه بعد نزول
تلك الكارثة به بالموسيقي المجنون، فلم يسمع شيئا مما يقولون، و أصبح منذ ذالك
اليوم هاذئا ساكنا لا يشكوا ولا يتضجر، بل لا يشعر ولا يتألم، وذهب إلى غابة قريبة
من مذن "باذن" فعاش فيها وحيدا منفردا لا يسمع إلا صوت قلبه، ولا يرى من
الناس سوى صديقه "هومل" من حين إلى حين، فإذا جاءه طرح عليه ما وضعه من
ألحان فيحمله عنه إلى الناس...
المفاجأة
...وكان الناس قد ألفوا أنغامه بعض الشيء و صارو
يصغون إليها لا لأن حساده قد هذؤوا عنه، أو انقطعوا عن مناوأته والغض منه، بل لأن
للطبيعة سلطانا فوق سلطان الضغائن، ولم يقضي في عزلته هذه زمنا طويلا حتى ورد عليه
متاب من ابن أخت له في "فيينا" كان قد تبناه في صغره وأحبه كثيرا، يقول
له فيه بأنه متهم بتهمة لا سبيل له إلى
الخلاص منها إلا بحظوره، فسافر إليه دون أن يقابل صديقه "هومل" ولم يكن
معه من المال ما يقوم بنفقات سفره، فكان يمشي على قدميه حينا ويركب عجلات النقل
أحيانا، حتى نال منه الجهد وأصبح عاجزا عن المسير، وكان الطريق إلى
"فيينا" لايزال بعيدا، فمر ذات ليلة ببيت منفرد في ظاهر إحدى القرى فوقف
ببابه وأخد يقرعه، فخرج إليه صاحب البيت وسأله ما شأنه؟ فأجابه بأنه شيخ أصمغريب
عن هذه الديار وقد أضله الليل و عجز عن المسير ، وسأله لو يأذن له بمضجع يأوي
إليه، فأشفق عليه الرجل وآواه، وكان للرجل بنتان أعدتا العشاء و دعوه إلى مائدتهم
فأكل معهم ثم جلس إلى ركن من أركان الغرفة وكان صاحب البيت من المولعين بالموسيقى
فما فرغ من الطعام حتى جلس إلى البيانو وأخد يقلب دفتر الموسيقى حتى وقع على ما
يريد منه، فأشار إلى ابنتيه أن تأخدا قيتارتهما ففعلتا و أخدو يعزفون بنغمة واحدة
فاغتبط بتهوفن بمنظرهم وإن لم يسمع من غنائهم شيئا، ولكنه فهم أن ما يعزفونه من
ألحان له تأثير عظيم على أنفسهم، وحتى صاحبة البيت والخادمة تركتا ما كانتا
تعملانه ووقفتا للإستماع حتى انتهت القطعة فاغرورقت عيون البنت الصغرى بالدموع
وألقت الكبرى بنفسها بين دراعي أمها وبكت.
فنهض بتهوفن من مكانه ومشى إليهم وقال لهم:"
إنني لم أستطع سماع ألحانكم ولكني فهمت أنها جميلة ومؤثرة، ولقد كنت قبل أن تحل بي
هذه النكبة التي ترونها أحب الموسيقى كثيرا، فهل تأدنوا لي أن أنظر تلك
القطعة؟"
فأوماوا له بالإيجاب، فما وقع بصره على القطعة
ورآى اسم صاحبها حتى اصفر لونه، وارتعدت يده وأرفض جبينه عرقا، ثم أخد يبكي ،
فانتبهوا إليه ونهضوا مدعورين وأحاطوا به يسألونه ما خطبه، فأشار بأصبعه إلى عنوان
القطعة فلم يفهموا ما يريد، فقال لهم: " إنها قطعتي وأنا الموسيقي بتهوفن....
طائر الموت
... فدهشوا جميعا وضلوا ينظرون إليه باهتين
مذهولين ثم رفعوا قبعاتهم عن رؤوسهم وجاؤو بين يديه خاضعين متخشعين وقبلوا يده،
فكانت هذه الساعة هي الوحيدة التي ذاق فيها لذة الإحترام في حياته، وكانت بعينها
الساعة التي رفرف على رأسه طائر الموت فأحس بوخزة خفيفة في جنبه وسقط، فحملوه إلى
السرير.
كان
صديقه "هومل" قد عرف بأمر سفره فتبعه في الطريق التي سلكها حتى عرف القرية التي وصل إليها والبيت الذي
نزله فرآه في سكرته فجلس بجانبه يبكيه حتى انتبه إليه بتهوفن بعد حين فابتسم له إذ
رآه وقال : هل جئت بقيتارتي يا هومل ؟
قل نعم يا سيدي وهاهي دي، فتناولها منه ونهض متكئا
على إحدى يديه حتى جلس وأنشأ يوقع على مسمع من القوم لحنه المحزن المشهور" رب
لما أشقيتني وما أشقيت أحدا من عبادك"
فما أتمه حتى ارتعدت يداه وجحضت عيناه ثم فتح
عيونه فرأى صديقه هومل فأمسك بيده ونظر إليه نظرة طويلة وقال: "ألم أكن في
حياتي عضيما يا هومل؟
قال هومل: "بلى وأكبر من عظيم "، فتهلل
وجهه بالبشر وأسبل عينيه وهو يقول:
"الآن أموت سعيدا" ثم قضى.
وفي اليوم التالي حمل ذالك الرجل العظيم إلى مقبرة
تلك القرية الحقيرة فدفن فيها ولم يشيع جنازته غير صديقه هومل وأفراد تلك الأسرة
التي مات بينها.
وكان هذا كل حظه من الحياه.
مقتبس من رواية ماجدولين لمصطفي لطفي المنفلوطي 🌹🌹
ردحذف